القاضي عبد الجبار الهمذاني
77
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن كلامنا في هذا الباب على ما يجوز أن يرد في الشرع ؛ لا على ما ثبت في الشرع ؛ وقد بينا أن العقل يجوز من المكلف أن يكون حاله في الوقتين يختلف فيما يختاره من الفعلين المثلين ، فيكون أحدهما صلاحا ، والآخر فسادا ؛ وإذا صح ذلك فالواجب أن ترتب دلالة الشرع عليه ، فهذا هو الترتيب الصحيح ، والّذي ذكرته ترتيب فاسد ، لأنك بنيت ما يجوز على الأفعال من الأحكام في كونها فسادا وصلاحا ، على أدلتها ، وإنما ينبغي أن ترتب الأدلة بحسب المدلول . وبعد . . فإنا لو سلمنا ما ذكرته ، لا صحة ما ذكرناه ، لأن دليل الشرع وأن « 1 » يتفق ، ولا يختلف ، فكما يجوز أن يدل من حال زيد ، على خلاف ما يدل عليه ؛ من حال عمرو ، فكذلك لا يمتنع أن يدل من حال زيد ، في حالين ووقتين ، على مثل ذلك ، ولا يوجب ذلك اختلاف الأدلة ، كما لا يوجب ما ذكرناه في العقليات اختلاف أدلة العقول . واعلم . . أن الّذي تنكره من اختلاف الأدلة هو متى أريد به التناقض والفساد ، فأما إذ لم يرد به ذلك فما الّذي يمنع من كون الأدلة مختلفة ، بأن يكون بعضها يدل على خلاف ما يدل عليه البعض ، أو بأن تكون نفس الأدلة أجناسا مختلفة ، أو على صفات مختلفة ، وهذا يبين من حال من تعلق بذلك أنه لا يعرف الغرض بهذه اللفظة ، وإذا جاز في الإدراك الّذي هو طريق للعلم أن يكون مختلفا ، فيعلم ببعضه خلاف ما يعلم بالبعض الآخر ، حتى يعلم ببعض الحواس الطعوم ، وببعضها الروائح ، وببعضها المبصر ، فما الّذي يمنع
--> ( 1 ) مثبتة في « ط » تصحيحا على الهامش ، وساقطة من « ص » .